السيد حسن القبانچي

42

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

بنسب كثير من المؤرخين أن الفلسفة في الإسلام وليدة الترجمة في عصور لاحقة لمستهل الثورة الإسلامية ، وذلك مما أثر عن الإغريق والرومان ، وما نقل عن الهند وفارس . وكأن التأمل والإدراك ، والنظر والاستنباط بمعزل عن الرسالة المحمدية العلوية وعن العرب والإسلام . وكأن الحكمة أن تركن إلى دير منعزل ، أو تقبع في صومعة بعيدة تستطلع الغيب وتستوحي القدر ، ثم تحبك النظريات الفلسفية بما يوحيه الخاطر بعيدا عن واقع الحياة ، كما هي نظرية المثل عند أفلاطون أو إقرار سقراط بالظلم عمليا ودفعه نظريا ، عندما تقبل الحكم عليه بالموت ونفذه بنفسه ، وكان له طريق للفرار وله أن يكافح في سبيل مثله الإنسانية في أي مكان يرتئيه وفي أي مجتمع يتقبله . أفاض الفلاسفة فيما أفاء اللّه من الحكمة وسداد الرأي إلى تنظيم المجتمعات والأخذ بها إلى حيث الحق والخير بحكم صالحة تتمثل فيها العدالة الاجتماعية والرعاية المتبادلة . ومن أبرز من أعاروا المجتمع نظرتهم ، الفلاسفة من الإسلام الذين تمخض عنهم عصر ما بعد الفتوح ، وإن أول من اشتهر من المسلمين بالفلسفة يعقوب الكندي وتبعه الفارابي ، وكانا من رواد الأفلاطونية الحديثة ، ثم جاء إخوان الصفا وكانوا يعملون على تخليص الشريعة مما دنسها من جهالات وبدع . وأضراب هؤلاء كثير . وقد اختار الفارابي في كتابه ( آراء أهل المدينة الفاضلة ) الملكية الدينية المنبثقة من أقوال الشيعة ، وجمع بينهما وبين آراء أفلاطون في الجمهورية . وكل ما أثر عن سقراط عن طريق تلميذيه ( زينوف في ذكرى سقراط ) و ( أفلاطون في المحاورات ) وغيرهما من النظم الاجتماعية ، ليقصر عما أثر عن الإمام السجاد عليه السّلام في رسالته هذه الذهبية وفي صحيفته المنعوتة ( بزبور آل محمد ) ، بل لا مجال للمقارنة . استطاع عليه السّلام بذكائه الخارق ، وببصيرته الفذة ، وبمقدرته الفائقة على الإدراك